محمد أبو زهرة
1953
زهرة التفاسير
ألمانى يدرس تبرئة اليهود من دم المسيح ، وأيد ذلك الزعم كبير أساقفة إنجلترا وهم بذلك يضربون بنصوص أناجيلهم عرض الحائط ، وإن هذا مصداق لقوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ فهم في ريب دائم ، ولا يؤمنون بشيء مما يقولون ويزعمون ، وما هم يتبعون الا الظن ، فيظنون ويتوهمون ، ثم يحكمون بالظن والوهم . وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ( 157 ) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً أكد الله سبحانه وتعالى نفى قتل السيد المسيح الذي حاوله اليهود ، فقال تعالت كلماته : وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً . وهنا تأويلان لكلمة يَقِيناً - التأويل الأول : أنها وصف لمحذوف ، والمعنى وما قتلوه قتلا قد استيقنوا به وتأكدوه ، وهذا فيه ترشيح للاختلاف والشك الذي اعتراهم . التأويل الثاني : أنها تأكيد للنفي ، والمعنى وما قتلوه حقا وصدقا ، فاليقين منصب على النفي ، أي أن نفى كونه قتل أمر مستيقن مؤكد ، وليس ظنا كظنكم ، ولا وهما كوهمكم . وقوله تعالى بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ إضراب بيانى فيه رد لزعمهم القتل ، والمعنى بل إنه لم يقتل ، وأن الله رفعه إليه ، وظاهر القول أن الرفع كان بجسده وروحه ، لا بروحه فقط ، وبهذا جاء التفسير المأثور ، وعليه أكثر المفسرين ، وأيدته السنة ، وإن كانت أخبار آحاد ، وقد فسر بعض العلماء الرفع بأنه رفع الروح ، وأخذوا ذلك من قوله تعالى : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ ( 55 ) [ آل عمران ] . فبمقتضى النسق الظاهر يكون الرفع عقب الوفاة . وقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً . وفيه وصف الله تعالى الدائم بأنه العزيز الرفيع الجناب الذي لا يلجأ إليه أحد إلا أعزه ، وأعلى قدره ، وحماه ، كما فعل مع ابن مريم وغيره من أنبيائه عليهم السلام ، وهو الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها .